بطل من هذا الزّمان …. بقلم : د. محمّد صالح

Posted: ديسمبر 27, 2010 in مقالاتي
الوسوم:, , , , , , ,


الحياة كما يقولون مدرسة و عن هذه المدرسة كتبت الكتب و وهي بحق أكبر مكتبة في التاريخ لأن كل واحد فينا مشروع كتاب ……..

بعد أن تهاوت الامبراطورية السوفيتية و تحوّلت إلى دويلات ضعيفة منهكة اقتصادياً و اجتماعياً و اغتنام الدول الأخرى لهذا الانكسار بجذبهم للأدمغة من مختلف الاختصاصات و هم الذين ساعدوا في ما تشهده الصين و أمريكا من ثورة علمية حقيقية .
وفي روسيا الاتحادية لم يختلف الأمر كثيراً و خصوصاً أنها ورثت حملاً ثقيلاً من الدّيون المستحقة على الاتحاد السوفيتي بحكم انها وريثته و ما رافق ذلك من انهيار للاقتصاد و توقّف المعامل و انتشار الفقر و البطالة و غير ذلك الكثير ………

هذه التغيرات و غيرها أصابت الانسان هنا بالإحباط و ساعدت في انتشار الجريمة و الرشوة و بدأت قوافل الهجرة إلى الولايات المتحدة و أوربا , غادر الكثيرون في التسعينيّات من القرن الماضي و ولم يبق إلّا قلّة قليلة منهم من أراد المغادرة و لم يستطع و منهم من قرر البقاء لأن بلده في ضيق وبحاجة لأبنائه ……..

بحكم المساحة الهائلة للاتحاد السوفياتي فقد تم إضافة للمطارات الرئيسية بناء مطارات فرعية استخدمت لنقل الركاب و البضائع داخل حدوده و بعد الانهيار تم إغلاق عدد كبير جدّاً منها لعدم القدرة على دفع رواتب الموظفين وتأمين الخدمات الضرورية للمحافظة على جهوزية تلك المطارات ……

في أحد هذه المطارات كان يعمل 15 عاملاً بين فني و مهندس و غيره و مع مرور الأيام أخذ يتناقص عدد العمال حتّى وصل إلى عامل واحد كان يقوم بكافة الأعمال اللازمة لوحده و رغم شظف العيش و راتبه الذي لا يسد الرّمق تابع العمل و كان أصدقاء له ينعتونه بأنّه فقد عقله و هو يقول لهم أن هذا واجبه و سيخدم الوطن حتّى النهاية , وكان القدر يخبّئ له شيئاً ما …..

أقلعت الطّائرة من أحد مطارات العاصمة موسكو و كان كلّ شيء يوحي برحلة سعيدة لا يعكّر صفوها شيء , إلى أن حدثت المفاجأة و كان هناك شيء غير عادي في غرفة القيادة , القبطان يتصل بغرفة التحكم و يخبرهم بأن هناك خلل كبير في أجهزة الطائرة و المحركات و هم لا يستطيعون العودة من حيث انطلقوا و ليس هناك أيّ مطار قريب للهبوط اضطرارياً …..

أخذت غرفة القيادة تبحث عن حلِّ ما و مرّ الوقت ثقيلاً بطيئاً و اعتقدوا أنّها النهاية و لكنّ رحمة الله أكبر و أعظم من كلّ شيء …..

جاء الاتّصال الرّحمة إلى غرفة القيادة من أحد المطارات الفرعية و الّذي كان بنظرهم مغلق و غير مؤهل لاستقبال الطائرات , بإمكانية استقبال تلك الطائرة و تمّ إخبار القبطان بالإحداثيّات و تمّت عملية الهبوط بنجاح و تنفّس الجميع الصّعداء .

الجميع بدأ يستفسر عن الحادثة و كيف تمّت عملية الإنقاذ و لكن الشّيء الذي أدهش الجميع حين علموا بأنّ المطار الذي كان سبب السّلامة و إنقاذ أرواح المئات من البشر لم يكن سوى ذلك الذي تُرك للقدر و للعامل الوحيد الذّي بقي وفيّاً لعمله و ووطنه طيلة 15 عشر عاماً و لولا هذا الإخلاص لكانت حصلت كارثة بكل المقاييس .

منذ عدّة أيام و حين التقاه فلاديمير بوتين و سأله عن السّبب الذي جعله يثابر في عمله و حيداً , كان أن أجابه ببساطة : إنّه واجبي .

عسانا جميعاً نتعلّم شيئاً ما من هذه القصّة التي حصلت في عصرنا هذا و أن نأخذ العبرة منها لكم منّي كل الحب و المودة . محمدصالح

Advertisements

التعليقات مغلقة.