بيت جدّي …. الوداع

بيت جدي 4 …. بقلم: محمد صالح

===========================

كبر الولد الذي كان يركب درّاجته منطلقاً إلى بيت جدّه واغترب طلباً للعلم و المعرفة , و صقل الذّات و اختبارها …….
حصلت هذه الحكاية قبل أكثر من اثني عشر عاماً , كنت قد سافرت إلى سورية لقضاء العطلة الصيفية بين أهلي و أحبابي, أذكر أنني قضيت أوقاتاً حلوة بين الرّحلات والسّهرات مع الأهل و الأصدقاء, وأذكر كيف انقضت الإجازة بسرعة كما الحلم .
كانت والدتي قد أكملت توضيب الأغراض و حقائب السّفر , و كأنّني أراها الآن كيف تروح و تجيء , تظنّ أنها قد نسيت شيء ما !!
تفتح الحقيبة و تتأكّد , تغلقها وتذهب إلى المطبخ ,تأتي بغرض ما و تضيفه إلى قائمة الأغراض , وأنا أقول كفى , ولكنّها لاتسمعني و تتابع عملها ….

كان الوقت مساءً وقد اجتمع الأهل على كثرتهم و الأصدقاء لوداعي , أذكر كان يوم جمعة من أيام شهر آب , كانت الساعة تقارب العاشرة , سلكت طريقي الّذي أحب , وجهتي بيت جدّي أبو أحمد الحبيب , حين وصلت رأيته جالساً في مكانه على الأريكة الخشبيّة , قبّلت يده و جلست في مكاني المعتاد إلى جواره , كانت عيناه تشعاّن نوراً و محبّة , أخذنا نتبادل أطراف الحديث , سألني عن الفرع الذي اخترته للدّراسة و وعدد السنوات المتبقّية و غير ذلك , خلال الحديث كان يرنّ الهاتف , أسمع في الطّرف الآخر والدتي تقول أنّ الجميع بانتظاري وعليّ أن أحضر فوراً , أجيبها حسناً هاأنا آتٍ و أعاود الجلوس .

السّاعة قاربت الحادي عشرة , اقترح جدّي أن نجلس على (البرندة) , جلسنا بعض الوقت , سألته ماذا يريد أحضر له في الصّيف القادم , أجابني أن آتيه بعكّازٍ , و وعدته .

أوّلاً و آخراً سيأتي وقت الوداع , قلت لجدّي أنني تأخّرت و عليّ الذهاب , قبّلته و عانقته و انطلقت عائداً إلى البيت , نظرت خلفي أردت أن ألوّح له بيديّ قبل أن أغادر الحارة وكانت صدمتي !!
رأيته يمسح دموعه, إنّها المرّة الأولى و الأخيرة التي رأيته فيها يبكي , تعوّدت أن أراه دوماً قويّاً شديد البأس , شعورٌ غريبٌ راودني و عدتّ أدراجي إليه , مسحت دموعه و جلست قليلاً أحادثه و طلبت منه أن يدعو الله لي وغادرته , سارعت بالخروج من الحارة ولم أنظر خلفي ……..
أثناء الرّحلة , رحت أتأمّل تلك الحادثة وغلبني النّعاس , استيقظت على صوت المضيفة تطلب منّا ربط الأحزمة استعداداً للهبوط , علا التّصفيق فرحاً بالسلامة وبعد أن استقرّت الطائرة , نقلتنا الباصات إلى المطار الذي غادرناه بعد استلامنا لحقائبنا بساعة , كان في استقبالي أحد الأصدقاء الّذي نقلني بسيّارته إلى البيت .

رغم التّعب كان لابُدَّ أن أوضّبَ الأغراض , خصوصاً الأطعمة منها , بعدها اتّصلت بصديقي دميتريس (يوناني) واتفقنا أن نذهب في اليوم التّالي إلى السّوق القديمة.
في الموعد المحدّد من اليوم التّالي التقيته قرب إحدى محطّات المترو الّذي استقلّيناه للوصول إلى السّوق , سألني عن حاجتي من هناك فأخبرته برغبة جدّي , كانت الخيارات كثيرة وبعد طول تفكيرٍ و بحث , استقرّ الأمر على عكّازٍ خشبي , تنزّهت بعد أن ابتعناه و صديقي لبعض الوقت و غادرنا كلّ إلى بيته .

في أوّل اتصالٍِِِ هاتفي مع الأهل أخبرتهم أن يعلموا جدّي أنّ هديته جاهزة و قد وضعتها في الحقيبة من اليوم .
مرّت الأيام و الأشهر و أصبحنا على أعتاب امتحانات آخر العام الدّراسي , بدأت مع رفاقي التحضير بجديّة و عزم , رغم الصّعوبات الكثيرة و أهمّها اللّغة , كنّا ندرس و نجتهد كل يوم و كلّنا أمل أن ننتهي من الامتحانات بأسرع وقت لكي نسافر إلى سورية .
في أحد هذه الأيّام استيقظت على حلمٍ أزعجني جدّاً , رغم أنني من اللذين قلّما تراودهم الأحلام : رأيت جدّي جالساً على (البرندة) حيث ودّعته , كان يتّكئ على العكّاز الذي ابتعته له , ينظر إليّ و يبكي ……
نهضت من فراشي هلعاً و اتّصلت ببيت جدّي , كانت الرّنات بطيئةً,مزعجةً,ثقيلة!! لم يردّ احد ؟؟؟
زاد قلقي و اتّصلت ببيتنا وبيت خالتي و عمّي و لم يردّ أحد !!!
توجّست خيفةً , و راحت الأفكار و الظّنون تروح بي و تجيء , لاحظ رفاقي توتّري و سألوني ما بي فأخبرتهم , قالوا أن لا أقلق فلعلّ المقسم في بلدتنا معطّل و لذلك لم يرد أحد !؟!
فكّرت , لربّما ؟!
مع ذلك تابعت المحاولة حتى المساء, جاءني صوت والدتي , قلت لها أين أنتم منذ الصّباح ؟
أجابتني أنّهم لم يكونوا في البيت !
سألتها عن جدّي؟؟ قالت بخير .
حاولت أن أفهم من نبرة صوتها شيء ما و لكن كان كل شيء طبيعي , أخبرتها أنني أّتّصل منذ الصّباح ببيت جدّي و لا أحد يرد ؟!؟
قالت : أنّ هاتفهم معطّل , فهدأت نفسي قليلاً و حمدت الله أنّ كل شيء بخير.

حطّت بنا الطّائرة في مطار رفيق الحريري في بيروت , في ذلك الوقت لم يكن هناك طيران مباشر من كييف إلى دمشق و كنّا نضطرّ للسفر عن طريق لبنان , كان صديقنا علي يونس في استقبالنا , سلّمنا عليه و انطلق بنا إلى طرابلس , بعد أن عجز عن عزومتنا أن نرتاح في بيتهم في بيروت على أن نغادر معه إلى سورية في اليوم التّالي , رغبتنا في لقاء الأهل كانت أقوى .
وصل بنا إلى مركز الانطلاق طرابلس- طرطوس و أمّن لنا مركبةً لتنقلنا و ودّعناه على أمل الّلقاء مستقبلاً , اجتزنا الحدود بعد فترة انتظار قصيرة و إجراءات روتينية كثيرة , الأهل انتظرونا في مركز المدينة,عناق و قبلات , فرحة غامرة و دموع , كان لقاءً حارّا .
شقّت سيارتنا طريقها إلى بلدتنا الحبيبة , رحت أمتّع النّظر بكلّ ما تراه عيني , الشّجر و البحر , الدّرب العتيقة و الجسر , أشعر للهواء طعم آخر!!
حين وصلنا البيت, كانت العائلة كلّها في الاستقبال من الجدّة أمّ سليمان وحتّى ريما آخر العنقود, هي أجمل الّلحظات , أحاطني مزيج من المشاعر كلّها في آنٍ معاً, جالستهم قليلاً و هممت الذّهاب لبيت جدّي , هكذا كانت العادة عندي, انتشلت العكّاز من الحقيبة وقبل أن أخرج من البيت استوقفني والدي وطلب منّي أن أتناول الطّعام وأرتاح قليلاً و بعدها أذهب؟!
أخذ من يدي عكّاز جدّي ولدهشتي رأيته يقدّمه لجدّتي أمّ سليمان و يقول لها هذه هديّة محمّد لك !!!!
لم أفهم تصرّف أبي وأخذت الأفكار تأخذني و تجيء بي , كيف سأشرح لجدّي ما حدث؟
كيف سآخذ العكّاز من جدّتي ؟ كيف و كيف …. ؟؟
ناديت على والدتي و أخبرتها بالذي حصل , قلت لها لا أعلم لماذا فعل ذلك والدي مع سابق علمه لمن العكّاز !؟!
لم تجب . ساورتني الشّكوك و الحيرة , ولكثرة إصراري و رغبتي الذّهاب إل بيت جدّي , نادى أبي عليّ و خرجنا معاً إلى (البرندة) و قال لي باختصار أنّ جدّي انتقل إلى رحمته تعالى , أصابه نزيف حادٌّ في المعدة , وقف الطبّ عاجزاً !!
سادت لحظات من الصّمت الرّهيب الموحش ,انهمرت الدّموع , في لحظة واحدة كلّ شيء تغيّر, في ومضةٍ واحدةٍ تصفّحت كلّ الذكريات الجميلة معه , لاأذكر كم من الوقت جلست أنظر إلى الأفق و البحر, تذكّرت الرّؤيا و فهمت تأويلها حين سألت والدتي متى و كيف , أخبرتني أنّه يوم حاولت الاتّصال ولم يردّ أحد , كان جدّي يصارع الموت في المستشفى .
سألها عنّي , متى أعود؟ بكى و قال لها أنّنا لن نلتقي بعد الآن و أنا ودّعته …
رحل أغلى النّاس , رحل الجسد و تبقى الرّوح أبدا, تعانق الذّكرى وتشمّ عبق الماضي القريب البعيد , ستبقى جدّي الحبيب ما حييت ,أشكرك على حبّك و حنانك الّذي وهبت بلا حدود و ليرحمك الله ربّي .

تعليقات
  1. walidkhalil2010 كتب:

    سبحان الله نفس الشعور الذي احسسته عند وفاة جدي
    ستبقى جدّي الحبيب ما حييت ,أشكرك على حبّك و حنانك الّذي وهبت بلا حدود و ليرحمك الله ربّي .

    رائع بالتوفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s